أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

44

شرح مقامات الحريري

إن من يركب الفواحش سرا * حين يخلو بسرّه غير خال « 1 » كيف يخلو وعنده كاتباه * شاهداه وربّه ذو الجلال وقال أبو نواس : [ الطويل ] إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ، ولكن قل عليّ رقيب « 2 » ولا تحسبنّ اللّه يغفل ساعة * ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب لهونا لعمر اللّه حتى تراكمت * ذنوب على آثارهن ذنوب حالك : عزّتك ومالك . آن : حان وقرب . ارتحالك : انتقالك ، توبقك : تهلكك ، يقال : أوبقته الذنوب ، أهلكته فوبق ، أي هلك ووبق أيضا . وقال أعشى همدان : [ البسيط ] أستغفر اللّه أعمالي الّتي سلفت * من عثرة يعاقبني بها أبق زلّت : زلقت . . معشرك : قومك . محشرك : موضعك الذي تحشر إليه . * * * هلّا انتهجت محجّة اهتدائك ، وعجلت معالجة دائك ، وفللت شباة اعتدائك ، وقدعت نفسك فهي أكبر أعدائك ! أما الحمام ميعادك فما إعدادك ! وبالمشيب إنذارك ، فما أعذارك ، وفي اللّحد مقيلك ، فما قيلك ! وإلى اللّه مصيرك فمن بصيرك ! طالما أيقظك الدّهر فتناعست ، وجذبك الوعظ فتقاعست ، وتجلّت لك العبر فتعاميت ، وحصحص الحقّ فتماريت ، وأذكرك الموت فتناسيت ، وأمكنك أن تواسي فما آسيت . * * * انتهجت : ركبت . والنهج المنهج والمنهاج : الطريق الواضح . محجّة : طريق ، من حجة يحجّه ، إذا قصده . اهتدائك ؛ استقامتك . معالجة : مداواة . فللت كسرت . شباة : حدّ . اعتدائك : جورك وظلمك . قدعت : كففت قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس عدوّك الذي إن قتلته كان لك نورا ، وإن قتلك دخلت الجنة ، ولكن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » . قال الأصمعي : كنّا بطريق مكة في بعض المنازل ، إذ وقفت علينا أعرابية فقالت : أطعمونا مما أطعمكم اللّه ، فناولها بعض القوم شيئا فقالت له : كبت اللّه لك كلّ عدوّ لك إلا نفسك .

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان النابغة ص 64 . ( 2 ) البيتان في ديوان أبي نواس ص 201 .